الدكتورة جميلة مرابط متخصصة في شؤون الاستراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية
والسؤال الملح في هدا الاطار : كيف يمكن لمشروع بهذا الحجم أن يتوقف كل هذه الفترة دون خطة طوارئ واضحة؟ وما الذي يكشفه هذا العطل عن الحاجة إلى إصلاح استراتيجي في قطاع الطاقة المتجددة بالمغرب؟
ومن هنا نستكشف أن المشكلة ليست فقط تقنية، بل تعكس ثغرات هيكلية في التخطيط في السياسات والاستراتيجيات الطاقية. وغياب الرقابة الصارمة، ضعف العقود، قلة البدائل التخزينية، وعدم وجود خطط أزمات، كلها عوامل ساهمت في تعطيل محطة "نور 3" لمدة عام. الحلول تكمن في بناء نظام أكثر صلابة واستدامة في إصلاح الإطار التعاقدي، تنويع الاستثمارات، تعزيز البحث في التخزين، وتحسين الحوكمة الطاقية. وإنشاء آليات مراقبة قوية وخطط طوارئ فعالة. وإذا لم يتم تنفيذ هذه الإصلاحات، فإن المغرب سيظل عرضة لأزمات مشابهة قد تعرقل طموحاته في أن يصبح رائدًا عالميًا في الطاقات المتجددة.
المحور الأول: العوامل المساهمة في تعطيل محطة نور3:
الطاقة الشمسية المركزة تعتمد على تخزين الحرارة في الأملاح المنصهرة، لكن ماذا يحدث عندما يفشل هذا النظام؟ في حالة نور 3، أدى العطل إلى توقف المحطة بالكامل، مما يكشف عن اعتماد نظام تخزين أحادي دون وجود خطط بديلة مثل البطاريات الحرارية، تخزين الهيدروجين، أو التخزين الكهروميكانيكي. كان يجب على المخططين أخذ هذه المخاطر في الحسبان من البداية، بدلًا من التعويل على تقنية واحدة دون بدائل.
التوقف الطويل لمحطة بهذا الحجم يُثير تساؤلات حول نظام الرقابة على المشاريع الطاقية. هل كان هناك تدقيق دوري للبنية التحتية؟ ولماذا لم يكن هناك شرط في العقد يُلزم الشركة المنفذة بإصلاح عاجل أو توفير بدائل تشغيلية؟ يبدو أن الاتفاقيات الحالية بين المغرب وشركات مثل أكوا باور تحتاج إلى مراجعة جذرية، لضمان وجود التزامات واضحة بشأن الصيانة، وإلزام الشركات بدفع تعويضات عن التوقفات المطولة.
يُفترض أن أي مشروع طاقي بهذا الحجم يمتلك خطة أزمات واضحة، بحيث لا يؤدي عطل واحد إلى توقف محطة بأكملها لمدة عام. كان يجب على المغرب تضمين سيناريوهات للطوارئ في استراتيجيته الطاقية، مثل تحويل الإنتاج إلى مصادر أخرى (كالطاقة الريحية أو الكهرومائية) أو إنشاء وحدات تخزين طارئة. وتجدر الاشارة ان المسؤولية في مثل هذه الأزمات لا تقع على جهة واحدة فقط، بل تتوزع بين عدة أطراف، كل منها يتحمل جزءًا من المسؤولية وفقًا لدوره في التخطيط، التنفيذ، والإشراف على المشروع.
المحور الثاني: نحو استراتيجية طاقية مغربية مبتكرة
بعض المقترحات المبتكرة والموجزة التي تعزز المنظومة الطاقية المغربية، وتساعد في سد النواقص حول المنظومة شبه المتكاملة ستركز على تطوير الحلول المستدامة والجديدة التي تضمن تحسين الأداء على المدى البعيد:
دمج تقنيات الطاقة الشمسية مع تقنيات أخرى مثل الطاقة الريحية أو الطاقة الكهرومائية، مما يمكن النظام من العمل بكفاءة أكبر في مختلف الظروف المناخية. الهدف: زيادة استقرار الإمداد بالطاقة وتقليل الاعتماد على تقنيات أحادية، بحيث تتمكن المنظومة من التكيف مع مختلف التحديات البيئية. الفائدة: سيتم تعزيز القدرة على التخزين والإنتاج المتواصل للطاقة، خاصة في المناطق التي تتعرض لتقلبات مناخية.
تطوير شبكات ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لزيادة كفاءة توزيع الطاقة والتفاعل الفوري مع أي نقص في الإنتاج أو زيادة في الاستهلاك.الهدف: تحسين توزيع الطاقة على نطاق واسع من خلال دمج أنظمة متقدمة للمراقبة والتحكم، مما يسمح بتوزيع أفضل للطاقة وضمان استدامتها. الفائدة: تعزيز استجابة المنظومة للطوارئ والحد من الفقد في الشبكة، مع إمكانية مراقبة البيانات في الوقت الفعلي لتحسين الأداء.
إنتاج الهيدروجين الأخضر من خلال الطاقة الشمسية أو الرياح واستخدامه كوسيلة لتخزين الطاقة لتوليد الكهرباء عند الحاجة. الهدف: تخزين الطاقة الزائدة من خلال تحويلها إلى هيدروجين ثم إعادة استخدامها لتوليد طاقة كهربائية أو حرارية. الفائدة: تقديم حل طويل الأمد لتخزين الطاقة، مما يقلل من تأثير التقلبات اليومية في مصادر الطاقة المتجددة.
دعم إنتاج الطاقة على مستوى محلي من خلال تركيب محطات طاقة شمسية صغيرة أو أنظمة الرياح الصغيرة في المنازل والمجتمعات المحلية. الهدف: تقليل الضغط على الشبكة الرئيسية وتوفير حلول طاقة محلية مستدامة، مما يسهم في تعزيز الأمن الطاقي في المناطق البعيدة أو النائية. الفائدة: تقليل الفاقد من الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة في المناطق غير المتصلة بشبكة الكهرباء الوطنية.
إنشاء مراكز بحثية متخصصة في تطوير تقنيات جديدة مثل الطاقة الشمسية المركزة (CSP) أو الطاقة الحرارية الجوفية أو حتى تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الطاقة. الهدف: تعزيز الابتكار المحلي في تقنيات الطاقة المتجددة وتحقيق استقلالية في تطوير حلول تكنولوجية تناسب الظروف المغربية. الفائدة: تمكين المغرب من تحقيق تقدم علمي في مجال الطاقات المتجددة وتقليل الاعتماد على التقنيات الأجنبية.
إطلاق برامج تدريبية للمختصين في مجال الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، وإدارة الشبكات الذكية، مع التركيز على التدريب المستمر. الهدف: تأهيل الكوادر الوطنية بحيث تكون قادرة على إدارة وتشغيل التقنيات المتطورة وتحقيق استدامة تشغيلية طويلة الأمد. الفائدة: زيادة كفاءة العمالة في القطاع الطاقي وتحقيق تنمية مستدامة في مجال البحث والتطوير، وبالتالي تقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية.
توسيع التعاون مع الدول الرائدة في مجال الطاقات المتجددة مثل ألمانيا، الدنمارك، أو اليابان لتعزيز نقل التكنولوجيا والخبرات.الهدف: تبادل المعرفة وتقنيات الابتكار التي تساعد في تعزيز فعالية المشاريع الطاقية في المغرب. الفائدة: تسريع تطور القطاع الطاقي المحلي، وتقليل الوقت والموارد اللازمة لتحقيق الأهداف الطاقية إذا تم تطبيق هذه الحلول المبتكرة، ستتمكن المنظومة الطاقية المغربية من تحقيق تكامل حقيقي ومستدام، بما يعزز القدرة على استيعاب النواقص الحالية. بدلاً من التعامل مع المشكلة من خلال حلول تقليدية، يجب الابتكار في التقنيات والسياسات لجعل المغرب نموذجًا عالميًا في الطاقة المتجددة المستدامة.
@جميع الحقوق محفوظة